يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
370
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
فمن ذلك : " ما تأتيني فتحدثني " ، بالنصب من وجهين : أحدهما : أن يكون الإتيان منفيّا نفيا مطلقا ، والحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان ، ولو وجد الإتيان لوجد الحديث . الوجه الآخر معناه : " ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني ، أي : منك إتيان كثير ولا حديث منك . فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث . فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما معنا عطف " تحدثني " على " تأتيني " في الرفع . لأنه إذا رفع الفعلين ، فليس أحدهما شرطا في الآخر . والرفع بعد " الفاء " على وجهين : أحدهما : أن تعطف الثاني على الأول " بالفاء " كما تعطفه " بثم " فيكون النفي مشتملا عليهما . والوجه الآخر : أن يكون الإتيان منفيّا ، والحديث موجبا ، ويكون عطف جملة على جملة ، كأنه قال : " ما تأتيني ثم أنت تحدثني الآن " ، وليس يتعلق أحدهما بالآخر ، ولا هو شرط فيه . فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه - لئلا يبطل المعنى المقصود به - ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه . فجعلوا الأول في تقدير مصدر ، وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر ، وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر ، فلذلك قدرت " أن " - فعلمت ، ولم تظهر ، وكان هذا التقدير والتغير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود ولو أظهرت ( أن ) لكان المصدر قد ظهر ولم يظهر في المعطوف عليه فجعل التغير لهما كالمشاكلة بينهما ، واكتفي بذلك . وقد قوى سيبويه هذا بما ذكره من تقدير ما لا يتكلم به ولكنه محمول على المعنى والفاء - وإن نصبت ما بعدها بإضمار " أن " في جميع الأجوبة ، فحكمها مختلف في المعنى واختلافها : أن جواب النفي على وجهين مختلفين قد تقدم ذكرهما . وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على المعنى ، وليس ذلك المعنى الذي في وجهي النصب الجحد لأن قولك : " لا تأتيني فتحدثني ، على معنى : " ما تأتيني فكيف تحدثني ، أو على : " ما تأتيني إلا لم تحدثني ، وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام ولا في جواب الأمر واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك : " يعلم اللّه " ، " ويذهب زيد " فقد اختلفا في المعنى وعملهما واحد . وأما قوله : " ما أتيتنا فتحدثنا " . وجها النصب في تحدثنا جيدان وإن كان الفعل الأول ماضيا والثاني مستقبلا . فأما الرفع : فأحد وجهيه جيد والآخر ضعيف . فأما الجيد : فعلى معنى : فأنت تحدثنا الساعة . وأما الضعيف : فأن تريد : ما أتيتنا فتحدثنا ، فتنفيهما جميعا .